السيد كمال الحيدري

116

التربية الروحية

وفي ذيل هذه الآية المباركة ، يقول الفيض الكاشاني : هناك قراءة أُخرى في الآية وهي « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » « 1 » لا مِمَّا تُحِبُّونَ ، فشرط نيل البرّ على هذه القراءة هو إنفاق كلّ ما يحبّ الإنسان لا بعض ما يحبّه ! فمن لم يستطع أن يكون من هذه الطبقة فلا أقلّ يعمل على أن يكون من طبقة مِمَّا تُحِبُّونَ . والخلاصة ، أنّ على الإنسان أن يجعل قلبه متعلّقاً بالله سبحانه وتعالى وحده ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ « 2 » إذ لا يجتمع حبّ الله تبارك وتعالى وحبّ الدنيا في قلب واحد . وقد أشار العلامة الطباطبائي إلى هذا المسلك وآثاره المترتّبة عليه بقوله : « إنّ العبد إذا أخذ إيمانه في الاشتداد والازدياد انجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية ربّه ، واستحضار أسمائه الحسنى وصفاته الجميلة المنزّهة عن النقص والشين ، ولا تزال تزيد نفسه انجذاباً وتترقى مراقبة حتى صار يعبد الله كأنّه يراه وإنّ ربه يراه ، ويتجلّى له في مجالي الجذبة والمراقبة والحبّ ، فيأخذ الحبّ في الاشتداد ، لأنّ الإنسان مفطور على حبّ الجميل ، وقد قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ « 3 » وصار يتبع الرسول في جميع حركاته وسكناته ، لأنّ حبّ الشيء يوجب حبّ آثاره ، والرسول من آثاره وآياته كما أنّ العالم أيضاً

--> ( 1 ) ( ) تفسير الصافي ، تأليف فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة أستاذ عصره ووحيد دهره المولى محسن الملقب ب « الفيض الكاشاني » المتوفي سنة 1091 ه ، ج 1 ص 328 ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، لبنان . ( 2 ) ( ) الأحزاب : 4 . ( 3 ) ( ) البقرة : 165 .